الإنسان بين الإلحاد والإيمان

الباحثة: زينب عبد الرحيم

إن نزعة التديّن وليدة التطلّع إلى البعد الغيبي لدى الإنسان ولهفته في معرفة الحقيقة القابعة خلف الكون، ومحاولته الفطرية لعبور الواقع الحسّي، والتأمل في التساؤلات الأزلية، من أين قدمنا من أين جاء هذا الكون؟ وما هي وظيفتنا في هذه الحياة؟ وما هو مصيرنا بعد الموت؟ وغيرها..

أسئلة تدفع الإنسان للاعتقاد بموجودٍ خالق حكيم أوجد الكون ويدبره، وقد حثّ القرآن الكريم على النظر والبحث، كما في قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ) (يونس 101) وقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران 190).

فالبحث والسعي والتطور والعلوم المكتسبة نتاج التّفكر، وهذا التطلع والتساؤل والتأمل في القضايا الغيبية كان ولا زال يشغل الإنسانية وسيبقى كذلك، وأيضًا ليخلص إلى اليقين الذي يمثل أمان له يدفع عنه التوجّس والقلق من المجهول، وحصد إجاباتٍ تعنى بحل المشاكل الكونية الكبرى، وقد ترقّى العلم كثيرًا خصوصًا بشقّه وبعده المادّي الطبيعي، ففسّر الكثير من الظواهر، إلّا أن تفسير الظاهرة الكونية لا يمثّل إجابة عن طبيعة وجودها وموجدها، فمهما تقدّمت المدنية بالعلم وتعدّدت الاكتشافات يبقى العلم مقيّدًا بكشف نواميس الكون دون أن يحدث تغييرًا عليها، لاسيما وإن مجاله محدود بحدود المناهج التجريبية التي يعتمدها، ومع ذلك فقد نجحت العديد من التجارب التي اعتمدت رؤية أكثر دقّة في الكشف عن حقيقة الإيمان الفطري لدى الإنسان.

تجارب علمية بين الإيمان والإلحاد:

اجرى المتخصص في علم الإدراك الديني في جامعة أكسفورد، جستون باريت دارسة، إذ قامت "إيما بوردت" وهي مساعدته بإجراء مقابلة مع أم إنجليزية وولدها ذي خمسة أعوام، لتذكر أنه في الحين الذي صرّحت فيه الأم بإلحادها، كان الصغير يجيب عن أسئلة الدراسة بصورة ملأت والدته بالدهشة وهي تسمع ولدها ينفي عن الله احتمالية الموت، بعدما أقر بحتمية وجوده كخالق للأشياء، ومن ثم قدرته على معرفة ما تحتوي عليه علبة البسكويت المغلقة - حسب أسئلة التجربة -، إلى آخر الإجابات التي أبرزت اعتقاد الطفل الجازم بوجود الله، حتى إنه نطق صراحة بعد سؤال أمه "هل تؤمن بوجود إله؟" قائلا: "حسنًا.. بالطبع يا أمي". فاقترحت بوردت على الأم الاشتراك بذات الاختبار، في بادئ الإمر اعترضت إلا أنها في النهاية رضخت لرغبة بوردت وأجابت من خلال الأسئلة على أنها لا تؤمن بوجود الله، ولا تعتقد بصحّة ما جاء به ولدها، فتفاجأت بالصغير وهو يسخر من إجاباتها قائلًا، لماذا تجيبين بـ"لا" في حين أنه يجب أن تجيبي "نعم"!، من هذه النتيجة، وغيرها من النتائج الكثيفة، توصّل "باريت" من خلال كتابه "فطرية الإيمان" إلى حقيقة مفادها أن المرء يكون، أول ما يولد، قادرا على استيعاب الإيمان الإلهي من خلال مستقبلات في الإدراك العقلي، بالإضافة إلى مجموعة من المقدمات الاستدلالية التي تؤهّله للاعتقاد بحتمية وجود صانع لهذا الكون.

في السياق ذاته، نستعرض دراسة لمجموعة من الباحثين بجامعة "بريتش كولومبيا" لتؤكّد أن تفكير المتطوعين في الموت كان يجعلهم أكثر قبولاً للقول بأن هذا الوجود قد خُلِق بحكمة، ولحكمة، وهو ما تدور حوله ـ بصورة ما ـ "إليزابيث كينج" بمقالها في "واشنطن بوست" "أنا ملحدة، فلِمَ لا أستطيع أن أصرف الله عني؟"، فتقول: "من المحبط أن تشعر بوجود شيء لا تؤمن به… ومع أني لا أزال ثابتة على عدم الإيمان، إلا أني أشعر أيضا أنه لا خيار لي سوى قبول أنني ملحدة مع ميل إلى الله"(1).

أثر الدين التاريخي في الحياة الإنسانية

من المساهمات الدينية تفجير الطاقات الكامنة بداخل الإنسان لكي يبدع في مجاله وعمله، وذلك من خلال بعض التعاليم والوصايا، كما جاء في القرآن الكريم: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)(الكهف:107، 108)، وكذلك قول نبي الإسلام محمّد (صلى الله عليه وآله): (إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن)،(2) وكذلك يساهم الدين في معالجة السقم النّفسي ويبعث في نفوس معتنقيه الطمأنينة من خلال بعض العبادات والممارسات، كما أنه يتكفّل في موازنة العقل والجسم والرّوح، فيغذي هذه الأبعاد الثلاثة بما يتلاءم وطبيعة كل بعد منها، كما أنه يضبط الانفعالات النّفسية السلبية والعواطف الجامحة والميولات المنحرفة، وللدين دورٌ مهمّ في تكريس المبادئ والأخلاق السّامية فكما جاء عن النّبي محمد (ص): "إنما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق" (3).

وقد رأى «فيخته» تلازمًا بين الدين والأخلاق، فقال: «إن الدين من غير أخلاق خرافة، والأخلاق من غير دين عبث». ولم ير «كانت» ضمانًا للأخلاق يوثق به غير الدين (4).

وهنا نستعرض سؤالًا يُطرح بالدائرة ذاتها: هل يحمل الإنسان في جميع مراحله ذلك النزوع الفطري -القوي- للإيمان بالله؟ وفي معرض الإجابة، يرى بعض الباحثين، أن البحث حول فطرية الإيمان يتبعه البحث في ظواهر ثلاث: البحث عن الله في الجنس البشري في كل زمان ومكان، ووجودية الإدراك الدائم بحضور الله في النفس، بالإضافة إلى توجه النفس مدفوعة نحو الخالق بإحساس الحاجة والافتقار (5).

الهوامش:

[1]. سامح عودة، «حقيقة علمية أم ادعاء ديني.. هل يولد الإنسان على الفطرة؟».

2. الريشهري، ميزان الحكمة: ج ٣، ص ٢١٣٢

3. العلامة المجلسي، بحار الأنوار:ج ٦٨، ص٣٨٢

4. صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين: ج 2، ص8

5. سامح عودة، «حقيقة علمية أم ادعاء ديني.. هل يولد الإنسان على الفطرة؟»