رُوحُ الصّيام وآثاره المَعنَويّة

د. اكرم جلال

خَلَقَ اللهُ الإنسانَ من جَسَدٍ طينيٍّ أودع فيه رُوحاً إلهيةً تُمَكّنه من طَيّ مَراتب الرّقي والكّمال، فهما طَبيعَتان مُختَلفَتَان، لِكُلٍّ مِنهُما مَطالبٌ ومسالك تَتَناسب وَحَقيقَته الوجُوديّة، فالرّوح ذاتَ خُصوصيّة نُورانية تَوّاقَة للتّطلّع الى ما وَراء الطبيعة والسّير نَحوَ مَدارج التّكامل وَنَيل مَقامات القُرب الإلهي، أمّا الجّسَدُ فَيُمثّل عالَم المادّة أو ما يُسَمى بالعالم السُفلي والذي يَستَمد دَيموميّة بَقائه مِن مُقوّمات مادية  كالمَأكَل والمَشرَب والمَلبَس، وغيرها.

ثُمّ أنه سُبحانه وَتعالى قَد خَيّرَ النّفس بَينَ سَبيلَين، وَأَوعَدَه بالفَلاح إن هو زَكّاها: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [ الشمس: 6-9]، فالنّفسُ البَشريّةُ إذن تَتَباين وَتَتفاوت بَين إنسانٍ وآخر، فَمِنها التَقيّة النّقيّة وَمِنها الخبيثة الرَديئة، فَهيَ تُمثّل جَوهر الإنسان وَحقيقته وأنّ السُلوك الإنساني وأفعاله الظاهريّة إنّما هي مَصاديق وإنعكاسات لتلك الطَبيعة، وأنّها (أي النفس) إذا تَزَكّت وَصَلُحَت وَطَهُرت صَلَحَ بها السّلُوك الظاهري وَسارَ بها الإنسان آمناً مُطمَئناً على المَحَجّة البَيضاء نَحو الخَير والصّلاح، وإن هِيَ دُسّت بالمَعاصي وفَسَدَت بالآثام فَإن السُلوك سَيَنحَط وَيَتَدَنّى الى عالمٍ سُفلي ماديّ بَهيميّ، وَهيَ حينما تُهَرول نَحو المَزالق الشّيطانية فَإنّها سَتَقبع ذَليلَةً خَلفَ قُضبان سِجن الهَوى والنَزوات الشّيطانيّة لِيَعيشَ عندها الإنسان تَثاقلاً ونفورا ً عَن كُلّ ما يُقَرّبه الى الله مِن أعمالٍ عبادية، قال الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23]. وَرغم أنّ الرّوح والبَدَن ثقلان مُتأرجحان، كَكَفَتي ميزان، إلّا أنّهما حينما يَتَكاملان وَيَتَعادلان فَإن الإنسان سَيَبلُغ بِهِما المَراتب العالية والأهداف السامية فَيَصل أعلى مَقامات القرب الإلهي.

 

إنّ تَزكية النّفس إخراجها من العالم البَهيمي الماديّ الى مَدارج الكَمال الوجودي  لِيَبلغ بها مقام القُرب الإلهي أمرٌ لا يُمكِن إدراكه عندما تَكون النّفس خاضِعَة لسُلطة الشَّهَوات المُحَرّمات والنّزَوات المُهلكات،  إنّما مِن خلال الإخلاص في الطّاعات والعبادات، لِتَستَنقِذَهُ مِن عِبادَة الهَوى، والصّيام وهو مِن أهَمّ أركان الإسلام إنّما جاءَ لِتَحقيق هذه المَنزلة وَنَيل هذا المَقام.

إنّ التعرُّف على آثار الصّيام ونتائجه هو أفضَلُ الطُرق لِضَمان تَحصيلها، وإنّ المُكَلّف وَمِن أجلِ الإلتزام بآداب الصّوم وشَرائِطِه عَليه أن يَتَعَرّف أولاً على فَهم الأبعاد الرّوحية والمَعنويّة والآثار المُتَرتّبة على  فَريضَة الصّيام  المُتلقَّاةٌ من قِبَل الشارع المقدس.

التقوى

الصّيام يُعَمق البُعد الإنساني وَيُطَهّر القُلوب وَيُعيد اليها الوَهَجَ الروحاني والسُموّ المَلَكوتي مِن خِلال تَثبيت رُوح التّقوى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 183]، فالآية تَدُلّ دَلالَة قَطعيّة على أنّ أهم آثار تَشريع الصّيام هوَ السعي لنَيل مراتب التّقوى.

والتّقوَى تَعني الحِفظ والصّيانة، وَتَقوَى الله هِيَ الحَذَر مِن الله مِن خِلال اتِّباع أوامره والإنتِهاء عَن نَواهيِه، فَعَن الإمام الصّادِق (عليه السلام) لمّا سُئِل عن تفسير التّقوَى قال: (أنْ لَا يَفْقِدكَ الله حَيْثُ أَمْرَكَ، وَلَا يراك حَيْثُ نَهَاكَ 1). فالتّقوَى إذن هيَ الوَقاية عَن طَريق فعل الواجِبات وَتَرك المُحَرّمات والإتيان بالمُستحبّات وَنَبذ المَكروهات. فَمِن أجل بُلوغ هذه المَرتَبة العالية لابُدّ للسالك مِن مَدرسةٍ وَمَنهجٍ مُتَكامل يَلتَزم فيه البَدَن والرّوح معاً مِن أجل بُلوغ مَراتب التّقوى وَمَقامات القُرب الإلهي، فَجاءَ الأمرُ الإلهي بِتَشريع الصّيام فَكانَ الرُكن الثاني في الإسلام بَعد الصلاة، لِيَحلّ فيه الصائم ضَيفاً على الله في شهر الله وعلى منهج إلهيّ يَمتَنع فيها عَنِ المُفطرات الماديّة (الجسدية) والمَعنويّة (السلوكية)، لَعَلّه يَبلُغ بها مَرتَبة التّقوى لِقَول الله عز وجل: ﴿ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فَقَد وَرد عن رسول الله  صلى الله عليه واله أنه قال: (رُبًّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربًّ قائم حظه من قيامه السَّهر2).

إنّ الإنصِهارَ الرّوحي في مَلحَمة الصّيام المَلكوتي لَه الدّور الرّئيسي في صياغَة النّفس المَلَكوتيّة والإرادَة العاليَة مِن أجلِ بلوغ الآمال والسّير نَحو مَدارج الكمال.  فالإمساكُ عَن المَطالب الشّهَويّة والنّوازِع الغَريزيّة يُورث الصمدية، فالحقيقة الأزلية للصيام أثبَتَت أنّ شَهَوات البّطن وَغَرائز الفرج حينما تَتَجاوز حَدّ الوَسَطيّة والمَعقوليّة وَتَدخل حالَةَ الإفراط وتَتَمكّن مِنَ السّيطرة على إرادَة الإنسان بالشّكل الذي يَجعله يَلهَثُ وراءها بما لا يَتَناسَب وما شرّع الله، فإنّها بذلك تَتَحوّل الى وَبال وَنَقمة فَتَتَعطّل بِسَبَبِها العِبادات وَتَزلّ بسببها الأقدام، فقد جاء عن الإمام الباقر عليه السلام  أنه قال: (ما عبد الله بشئ أفضل من عفة بطن وفرج 3).

الإخلاص

الإخلاصُ هُوَ تَنقيَة العَمَل بِصِدقِ النِيّة مِن كلّ أنواع الشّرك، إنّه مِسكُ القُلُوب  وَروح العِبادات وَجَوهرها، والعَمَل بلا إخلاص كالجّسد بدون روح، قال الله  تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [ الزمر: 2-3]. والإخلاصُ لا يَتَحقّق الّا بِصِدق النيّة والقُربة الى الله وَتَطهير القَلب منَ المُهلكات والماحقات كالرّياء والعُجُب وحبّ المَديح، فعن فاطمة الزهراء عليها السلام أنها قالت(جعل الله الصّيام تثبيتاً للإخلاص 4 ).

والصّيام رُكن لا يَتَحَقّق ولا يُتَقَبّل بأكمل وجهٍ إلّا إذا كانَ مَقروناً بالنيّة الصادقة وكانَت النّفس هيَ الرّقيب على كُلّ ما حَرّم الله على الصائم فِعله، وَهذه الرّقابة لا يَطّلع عليها أحد غيرَ الله تعالى، فَعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال (الصوم عبادة بين العبد وخالقه، لا يطّلع عليها غيره، وكذلك لا يُجازي عنها غيره 5)، وهيَ بطبيعةِ الحّال تَختَلف عن باقي العبادات كالصّلاة والحَجّ والأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من العبادات، فالصَّوم هنا يَتَجَرّد عَن الأفعال الشكليّة والمَظاهر الخارجية، فلا مَكانَ للرّياء والعُجُب وَحُبّ الثّناء والشُهرة، وَلأنّ الصّيامَ عبادةٌ صامتة فإنّ الإخلاصَ يَتَجلّى فيها بأبهى وَأَجمَل صُوَره ولذلك، وُرد في الحديث القدسيّ، قال الله تبارك وتعالى: ( كلّ عمل ابن آدم له، إلا الصّوم، فإنّه لي وأنا أجزي به 6).

إذن فالصّوم المَقرون بالإخلاص عِبادةٌ يَعيشُ خلالها الصّائم أعلى دَرَجات القُرب الإلهي، لِيَكون الخالق جَلّ وَعَلا هُوَ الأقرب الى الصائم مِن باقي الخَلائق، وأنْ لا يَكون الرياء هُو الغاية فَيَكون ظاهر الصائم خيراً من باطنه، فَمَن أدرك بإخلاصه مَقام القُرب لَم يُبالي بالمخلوقين، وَمَن شَغَلَته الأخرة بنَعيمها هانَت عليه الدُنيا بِحُطامِها، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) : ( إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ ، وَ بَصَرُكَ ، وَشَعْرُكَ ، وَجِلْدُكَ ، وعَدَّدَ أَشْيَاءَ غَيْرَ هَذَا وَ قَالَ : لَا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ 7).

الحكمة

قال الله تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ البقرة: 269]، فالآيةُ الكَريمة تُشير بوضوح الى أنّ الحِكمة مِن نِعَم الله على الخَواص مِن عِبادِه وَلا يَنالها الّا مَن اجتباه الله الى قُربه وَحَباه الى عَظيم مَعرفَته، وأنّ مَن أوتيها فَقَد أوتِيَ خَيرا كثيرا. فَقَد رُوي عَن الإمام الصادق عليه السلام في قولِ الله عزّ وَجَل: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً؟ فقال عليه السلام : طاعة الله ومعرفة الامام 8).

الحِكمِةُ أحَد أهَمّ الآثار الرّوحيّة المُتَترتَّبة على فَريضة الصّيام، فَقَد وَرَد عَن رَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثِ المِعراج أنّه سأل الله جل وعلا قائلاً: (ياربي، وما ميراثُ الصَّوم؟ قال: الصوم يُورث الحكمة، والحكمة تُورث المعرفة، والمعرفة تُورث اليقين. فإذا استيقن العبد، لا يبالي كيف أصبح، بعسرٍ أم بيسر9).

فالصّيام إذن جاءَ لتَثبيت نُور الحِكمَة في قُلوب السالكين، هيَ النّور الذي يُلقيه اللهُ العزيز في قُلوب الوافدين عليه والطالبين نَيلَ قُربه وَمَرضاته، تِلكَ الحِكمَة التي تَبدأ بالتزكية والتعليم وتنتهي بمعرفة الإمام، قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [ الجمعة: 2].

 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)): نور الحكمة الجوع، والتباعد من الله الشبع... لا تشبعوا فيطفأ نور المعرفة من قلوبكم 10).

وَفي المُقابل فَإن التُخمة تَحبس الروح وَتَمنَعها منَ التّكامل والإرتقاء وَتُقَيّدها عَنِ التَوَثّب والإهتداء فَتَقسو القُلوب وَتَغيب الحِكمَة، فَعَن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال : (التّخمة تُفسد الحكمة، والبِّطنة تحجب الفِّطنة 11 ) ، وقال  (عليه السلام) في حديثٍ آخر: (لا تجتمع الشهوة والحكمة 12 ).

.

إذن فركن الصّيام إنّما جاء لِيَكبَحَ شَهوة النُفُوس وَيُنَوّر القُلُوب بالحكمة ويَسير بها نَحو مَدارج التّقوى والإخلاص، وإنّ الصّيام ركن فَرَضَه اللهُ على عِبادهِ لِيَستَنقِذَهُم مِن غَفلة الغَرائز والشّهوات لِتَسمو بذلك الأرواح وَتَرتَقي مُحَلّقة فَوقَ ساحل القُدس الإلهي لِيَخرُجَ فيها الصّائم مِن ذُلّ عِبادَة الهَوى الى عِزّ القُرب الإلهي.

ففي حديث المعراج إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خاطب نبيّه (صلَّى الله عليه وآله): (يا أحمد، إنّ العبد إذا جاعَ بطنُه، وحَفِظ لسانَه؛ علّمتُه الحكمة، وإنْ كان كافراً؛ تكون حكمته: حجّةً عليه، ووبالاً.. وإنْ كان مؤمناً؛ تكون حكمته له نوراً وبرهاناً، وشفاءً ورحمة: فيعلم ما لم يكن يعلم، ويُبصر ما لم يكن يُبصر، فأوّل ما أُبصره عيوب نفسه حتّى يشتغلَ عن عيوب غيره، وأُبْصره دقائقَ العلم، حتّى لا يَدخُلَ عليه الشيطان.. يا أحمد، ليس شيءٌ مِن العبادة أحبّ إليّ مِن الصمتِ والصوم 13).