سراج الذكر..
نال الخط الكوفي الحظ الاوفر بين انواع الخطوط العربية الاخرى لما يتمتع به من مرونة وقابلية وخصائص فنية استثنائية، فهو نتاج نظام هندسي وزخرفي متناغم، وفي هذا ادراك لمعنى الفضاء وهندسة المكان، مما ادى الى ظهور انواع متعددة منه ذات تكوينات زخرفية و متتابعة في التوزيع الخطي، الا ان التحسين المستمر على الخطوط العربية وعلى على الخط الكوفي المزوق بالتحديد والعناية بأوضاعه المكانية والاتجاهية للكلمات وتنوع توزيعها، ادى الى الخروج بتكوينات زخرفية متوازنة ومنسجمة اكثر، حيث تعد هذه التكوينات مرحلة متقدمة للخط، لأنها تتطلب مهارات انشائية وابداعية مبنية على ضبط اصول القواعد كشرط اولي واساسي ، ومنها صور الخط الكوفي المربع والمضفور اللذان ارتبطا كبقية الخطوط بعلم الرياضيات والهندسة ، واوجد من هذا الارتباط علاقة تناسبية بين الحروف واجزائها باعتماد مقاييس معينة للحروف لغرض التعبير عن علاقة جمالية ووظيفية بينها .
المخطوطة اعلاه من التحف الفنية الفريدة للخط الكوفي وقد امتد مدادها الاسود بعبارة من شطرين هما ( التواضع عند الدولة والعفو عند القدرة) و(والعطاء بغير المنه والشكر عند النعمة)، وكان ذلك بقصبة الخطاط العراقي الراحل هاشم بن محمد القيسي البغدادي الذي اخذ الخط منذ صباه عن المرحوم الخطاط الملا عارف الشيخلي، وكان شغوفاً برسم الخط حتى تذوقه واجاده وامعن فيه.
استخدم البغدادي في اشغال المساحة الكلية لهذه المخطوطة التنظيم المتماثل في الجزء العلوي من النص الذي يحتوي على العناصر والمفردات الزخرفية النباتية المضافة اليه، كما في حرف (ع) كلمة (عند) وحرف (د) الكلمة ذاتها ، وحرف (د) كلمة (الدولة) وحرف (ع) كلمة (والعفو) ، وبشكل غير متماثل كما في البنية الشكلية للحروف التي تختلف فيما بينها ، محققاً توازناً شكلياً داخل مساحة التكوين المستطيلة الشكل .
وقد اظهر هاشم البغدادي في التكوين الخطي تغييراً شكلياً في بنية الحروف، كما في حرف(ت)و(ع)في كلمة (التواضع) وحرف (ع) كلمة (عند) وحرف (ك) كلمة (الشكر) وحرف (د) كلمة (عند) و (م) و(ع) كلمة (النعمة) ، كما استخدم الخطاط اتجاهاً نصياً مقوساً بعض الشيء في كلا السطرين بهدف تحقيق تنوع اتجاهي يعكس قيمة جمالية ناتجة عن المعالجة التصميمية.
عمد الخطاط على ترتيب البنية النصية في التكوين الخطي في اللوحة، باعتماد نظام سطري متتابع ومتراكب من حيث المستوى السطري الى مستويين، بحيث تكون بداية النص من الجزء العلوي من عبارة ( التواضع عند الدولة والعفو عند القدرة) ، وبتتابع معين وصولاً الى السطر الثاني (والعطاء بغير المنه والشكر عند النعمة) والمكون للجزء السفلي من التكوين، وتمثل التكرار في البنية النباتية الزخرفية المضافة الى بنية الحروف والمتماثلة في اجزاء معينة من النص وغير متماثلة في اجزاء اخرى وبحسب متطلبات المساحة التي اشغالها ،محققاً توازناً شكلياً و مساحياً و بإيقاع رتيب وغير رتيب ايضا متمثلاً في البنية النصية والزخرفية في السطرين في التكوين.
اما استخدام التباين فتمثل في الاختلاف الشكلي للمكونات البنائية، فضلاً عن الاختلاف الشكلي للحروف فيما بينها كما يظهر في كل من حرف (م) في كلمتي (المنه) و(النعمة) ، وحرف (ع) في (العفو) و(النعمة)،وحروف اخرى في البنية النصية، في حين احدث من خلال التباين التمييز في القيم الضوئية (البيضاء) كمساحة و(السوداء) المنفذة بها البنية النصية بما يحقق ابراز البنية النصية عن المساحة المنفذة عليها، كما حقق الخطاط من خلال التباين والتضاد تنوعاً وجمالية اضفت على التكوين الذي ترتبط العناصر المكونة له من البنية النصية والزخرفية بعلاقة الجزء بالجزء الاخر وعلاقة هذه الاجزاء بالمساحة الكلية للتكوين بشكل متناسق ومتجانس فيما ببنها بما يحقق الهيئة الشكلية النهائية للتكوين، والسيادة في البنية النصية ذات الطابع الزخرفي تمثلت بما اضيف الى نهايات وابدان الحروف من عناصر زخرفية نباتية ،كما يظهر سيادة الاتجاه الحركي المتمثل بالحركة القوسية للبنية النصية التي اضفى من خلالها جمالية وتميزاً في الاسلوب والابتكار في تنظيم هذه العناصر من حروف ومفردات زخرفية نباتية بما يشغل المساحة ووفق متطلباتها .
وبرزت النسبة و التناسب في المخطوطة ايضاً من خلال العلاقة التناسبية التي ارتبطت بها الحروف فيما بينها من حيث ارتفاعها وامتدادها داخل مساحة التكوين، ويظهر في التكوين ان الكلمات نظمت وفق الشكل الدائري بما يظهر النص او الاشرطة الكتابية باتجاه منحني او (مقوس)) حيث قسمت مساحة التكوين الكلية الى مساحات مثلثة متساوية فيما بينها في القياس والمساحة بما يحقق تنظيم الحروف بشكل متوازن ومتناسقة ما بينها ، حيث تأخذ كل كلمة ارتفاعها الذي يتناسب مع حركة القوس دون أي تشويه او غرابة في الهيئة الكلية للنص والكلمات، بان تكون بعرض واحد وامتداد منتظم مرتبط بعلاقة تناسبية فيما بينها، اضافة الى مقاييسها التي تتغير تبعاً للمساحة المنفذة عليها.
وهنا يبدو ان الخطاط قد حقق من خلال هذه العلاقة التناسبية الجانب القرائي والوضوح البنائي للنص، اذ لم تؤثر العناصر المضافة الى الحروف فرائيا، كما ضبط الفنان المسافات الفاصلة ما بين الحروف والكلمات من خلال النظام السطري المتتابع فاتخذت كل منها موقعها المكاني المناسب داخل مساحة التكوين، فضلاً عن تحقق التنوع الشكلي الواضح في اللوحة من خلال توظيف الحروف والوحدات والمفردات النباتية والحركة الاتجاهية المقوسة لكلا سطري البنية النصية، والتي اضفت جمالية وتناسقاً في الاسلوب التصميمي للتكوين .
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة

وتعز من تشاء..
لا اختلاف على ان خط الثلث بصورته النموذجية التي نراها الآن هي ناتجة من إبداعات وتنافس الخطاطين عبر حقب زمنية مختلفة مما جعلهم يجتهدون ويثابرون لكي يرتقوا بهذا الفن الأصيل إلى أتم وأكمل صورة كما هي عليه الآن .

لغة الارواح..
تكشف اللغة البصرية في الفن الاسلامي ومن خلال لغة التجريد عن قدرة لامتناهية من الانفتاح نحو المطلق فالتجريد في الفن الاسلامي يشكل افناء لصفات الاشياء وخصائصها الحسية. لان القرب من الحق لا يكون معه وجود للشيء لان وجود الشيء لا يمكن ان يكون قائماً بذاته بل بالقدرة الالهية، فتغييب وجود الشيء ونفيه لذاته من تعلقاتها المادية ما هو الا تسليم وخضوع مطلق لله، هذا يعني من زاوية اخرى، ان الفن الاسلامي وجد في نظرته للنسبي والمطلق، طريقه للتسامي لإعلاء قيم السماء، ان السعي الى مالا تدركه الابصار يلغي المسافات والابعاد ويخرج من عالم الطبيعة متوجهاً الى عالم كلي.

جمال الخطوط وقدسية المضامين..
ان الوجود بأسره يتسم بمظاهر الجمال بدأً بما تقع حواسنا عليه من عناصر طبيعية , والتي أصبحت مرجعيات جمالية , وصولا إلى الجمال الذي هو خاصية يمنحها الإنسان للأشياء التي يقوم بابتكارها أو تصميمها من خلال التناسق الذي يخلقه عن طريق أجزاءها , فالجمال هو وحدة خاصة بالعلاقات الشكلية نتلقاها من خلال ادراكاتنا الحسية في ابتكار أشكال وتكوينات جديدة وهذه الأشكال تقوم بإشباع إحساسنا الجما ل



بعض من روحية الحرف العربي..
تستمد الحروف العربية زخرفتها من تناسق الحروف، وقد اتخذ الخطاطون العرب في القرون الوسطى الحروف العربية ما يصلح لان يكون اساساً لزخرفتهم فوظفوا عناصر زخرفية جميلة من رؤوس الحروف وسيقانها ،