نحن و هُم مقارَبة للاستنهاض

صباح الطالقاني

نحن و هُم، مفردات للمقارَنة بيننا وبين الأمم الاخرى، أخذت تشقّ طريقها بين الأولاد الصغار والشباب اليافعين منذرةً بخطر التوهين وإضعاف النفس وثنيِها عن السعي لكسب مستقبل زاهر.

عندما ننصت لبعض الناس الكبار سنّاً وهُم يقارنون بين واقعنا والواقع الذي تتمتع به بعض الأمم من رفاهية واستقرار بعد أن كانت تلك الأمم في الماضي القريب أقل منّا تطورا بكثير نفهَم أن هؤلاء المسنّون يقارنون من باب التذكير والعِظة وضرب الأمثلة في الحياة، ولكن عندما تصبح هذه المقارنة رفيقاً في كل وقت وتتحول الى حالة تندُّر وسخرية من الواقع ومن المجتمع، وتسليم بأن (هُم) كأمم أفضل منّا بكل شيء، فهذا هو الخطر الحقيقي على الارادة والطموح لدى أجيالنا الجديدة من الشباب.

نحن نرزح تحت واقع مزري في كل مفاصل حياتنا تقريباً، وهذا الواقع جاء بسبب ظروف وارادات واجندات أوجدتها جهات تُجهد نفسها منذ قرون في سبيل استغلال أمّتنا وإبقائها ضمن قائمة الأمم المستهلِكة والمتناحرة فيما بينها، والمحتاجة دائماً لدعم خارجي سواء كان هذا الدعم اقتصادياً او عسكرياً او سياسياً او حتى فكرياً.

ولا مجال للإنكار في ان الكثير من هذه الأهداف المغرِضة قد تحقق بمساعدة بعض الحكومات المستبدة والأدوات المحلية التي تحرِّكها القوى المستعمِرة، في ظل مجتمع ضعيف او اتكالي او عاجز عن المواجهة وعن الاصلاح!

وبالعودة لأصل الموضوع ولأجل أن تكون هناك رؤية معينة للنهوض فإن المقاربة والمقارنة بيننا وبين (هُم) يجب أن تكون وفق أسس حضارية قبل كل شيء، فهذه الأسس هي التي تُحيي الطموح والارادة، وتعطي للحياة دافع التطور والابداع والازدهار.

وإذا ما سلّمنا بتعدد تعاريف علماء الاجتماع للحضارة، فسنصل بالمُجمل الى أن الحضارة هي الرُقي والازدهار في جميع الميادين والمجالات، وهي مجموعة الصفات التي تميّز كل أمة عن الأخرى، من حيث العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية ومقدرة الإنسان على الإبداع في العلوم والفنون والآداب، دون شرط استخدام افضل انواع هذه المسمَّيات انما المقصود هو كيفية التعامل معها.

ورغم ارتباط رُقي الحضارة بمقدرة الأفراد على ايجاد دوافع التطلع وعوامل الابداع، إلا أن معرفتنا بأركانها الأساسية تصل بنا لنصف الطريق، وهذه الأركان هي، الموارد الاقتصادية، والتقاليد الخُلقية، والعلوم والفنون، والنظم السياسية. بحسب المفكّر صاموئيل هنتنجتون.

لكننا نضيف لهذه الأركان سمة حيوية ومهمة ألا وهي الايمان بالله والتوكل عليه روحاً وقلباً في كل ما نقصده من مقاصد، لكي تكون لمسَتنا هذه هي الفاصلة بيننا وبين الاستفادة من علوم الأمم الأخرى وخبراتها، بحيث لا تؤدي هذه الاستفادة الى فقداننا لهويتنا وتقاليدنا الاسلامية والعربية.

ان نشاط أركان بناء الحضارة يبدأ من نقطة الاستقرار والتخلص من القلق والخوف لدى الشعوب، وبعد ذلك ستستمر الحوافز الطبيعية باستنهاض المجتمع للمضي في صنع حضارة متميزة.

الحضارة العربية والاسلامية بشكل عام لم تخلو من الأركان الأربعة آنفة الذكر على طول تاريخها الممتد لقُرابة ألفَي عام، بل تمتعت بوجود ثلاثة منها بشكل ثابت وإن كان بنِسب متباينة، وهي الموارد الاقتصادية، والتقاليد الخلُقية، والعلوم والفنون، وهذه الأركان كفيلة بأن تعتمد عليها الأجيال الحالية في ردم الهوّة بيننا وبين الأمم بحضاراتها المختلفة، إذا ما توفرت شروط الايمان والرغبة والطموح والارادة الحقيقية التي يمكن أن نجتاز بها العقبات والصعوبات.

الاجيال الحالية لا تنقصها الطاقات ولا الارادة في الابداع والتطوير، انما الحل يكمن في تفعيل الأركان الثلاثة المذكورة من خلال تحفيز الركن الأساسي الرابع للحضارة والذي نعني به أنظمة الحُكم، وحَثْ هذه الأنظمة للاهتمام بالعلوم المختلفة ودعم الطاقات واستثمارها، لكي نعيد التوازن المطلوب في المقارنة بيننا وبينَ (هُم) ونحوّلها الى مقارنة ايجابية للاستنهاض بعيداً عن السخرية والتندّر وتثبيط الهمم.

 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 2.0781 Seconds