العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

مفتاح العقيدة..

3,443 مشاهدة3 دقيقة قراءة

منذ أن خولفت وصايا رسولنا الكريم صلوات الله عليه واله وبان التصدع والانجراف بها نحو العبودية من جديد، تحولت الخلافة الإسلامية إلى ملك تتلقفه ايدي الطغاة من بني امية وتحول إلى طلب للثأر من الرسول بقتل عترته الطاهرة الذي توج بقتل ولده الحسين عليه السلام في طفوف كربلاء، اذ احتاجت الرسالة الإسلامية إلى من يضحي بنفسه وعياله ليعلو صوت الله في الأرض من جديد.. فكان سيد الشهداء قرباناً لها حُركت به العقيدة الدينية لتفرز ظالماً ومظلوماً من خلال واقعة الطف، تلك الواقعة التي حركت ضمير الإنسانية جمعاء، وتناولتها الألسن بمختلف أشكالها ولغاتها وديانتها اسلامية وغير اسلامية ووثق ذلك لتتناقله الاجيال بوسائل فنية شتى منها ما هي قولية وتمثيلية كالشعر والروايات والنصوص المسرحية، ومنها ما كان على شكل رسوم تؤرخ لهذه الواقعة وتستلهم مروياتها التاريخية.

لقد عمد الفنان والمؤرخ والمصمم المسلم على تشكيل احداث الطف واظهارها ببنية جمالية خاصة بها وخاضعة لمضمونها، مما زاد من تعلق المتلقين من القراء والمشاهدين بها، فاستمرت تداو ليتها وتجددت وتتجدد باستمرار حتى تحولت إلى علامات ايقونية روحية تفسر وترسخ وتجدد العقيدة لأتباع أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم باعتبارهم الأمل وسفن النجاة، فاستمدت بقاءها وتدا وليتها من خلود الواقعة ومأساة أصحابها وخلود وولاء الموالين والمحبين لهم.

اللوحة اعلاه تحمل توقيع الفنان الايراني حسن روح الامين ، نفذت بأسلوب الفن الجداري بمزيج من الالوان الحارة والباردة وبتدرجات متباينة، ومن الواضح ان من اهم مميزات اعمال روح الامين هو اختلاط تقنياته الكلاسيكية المكتسبة من تأثره الواضح بأساليب الفن الاوروبي الكلاسيكي ولكن برؤية متجددة للمشهد التاريخي، مما زاد من جاذبية اعماله وجماليتها، فهو يمتلك ريشة مهذبة وإحساسا مرهفا ممزوج بحب محمد والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، معززاً ذلك بالذوق الرفيع الذي تنتج عنه لمسات مبدعة ، ادت الى اكسابه خبرة أصيلة وتقنية عالية في تصوير الاشكال .

سعى الفنان في هذا المنجز الابداعي الى المزج بين ذاته وموضوع الرسمة من خلال تكريس خبرته الجمالية التي اكتسبها بسعة اطلاعه على تأريخ الواقعة وثقافته الفنية المتراكمة ، حيث اظهر حالة معينة من الاندماج بين اجزاء اللوحة تشد القارئ وتدفعه للغور في اللوحة ومتابعة احداثها والتأثر بها بشكل لا أرادي .

ويلمس المتأمل في عناصر هذه اللوحة نوع من التمازج الموجه بين الواقع و الخيال، كفعل أدائي مزدوج باستجابة معرفية ووجدانية متمثل باستلهام التعبير الديني للكشف عن بناءات في مستوى معرفي وإظهار سلطة العقل التي فرضته طبيعة رؤيا لفنان التخيلية وما نتج عنها من صور وأشكال واقعية وأحاسيس ، وفي نفس الوقت نلمس وجود تدخل عقلي في صميم اللوحة متمثل بالوعي في إدارة تشكيل وتصميم أجزاءها ، كاشفاً بذلك عن عالم مستقل فيه تأمل لذات الرسام والاستغراق في التمعن في الخيال الكامن في نفسه وثقافته الممتزجة بالواقع المتمثل بهذا الحدث المأساوي التاريخي، مما أعطى للأشكال صفة تعبيرية متصلة بالرماح والسيوف والخناجر والمشاعل التي يحملها الظالمين والذي يرتبط بجوهريه الموضوع في استشهاد الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، اذ ان تكوين اللوحة برمته مجسد من خلال حركة الألوان والاعتماد على قدرة الانطباع في توليد اشكال جمالية منفردة، فضلا عن تكوين حركات تنسجم و حركة الظل والضوء وما تتركه من اثر في تغيير مظاهر الأشياء وحيويتها، كما عالجها في محاولته هذه بسلسلة من الإيقاعات والنقلات المفاجئة باللون كحركة وايماءات الاشخاص و تعابير وجوههم وحركة ما يحملون من اسلحة ومشاعل النار، وهذا ما زاد من تأثيرات الإيقاعات البصرية فزاوية النظر واتجاه رسم اللوحة بمنظور الفنان والإشكال وحركة الاضواء هي التي اعطت عمقا للوحة وخلقت تأثيرات مختلفة في نفس المتلقي ، فقد أعطى هذا العمق من خلال مهارته في استخدام الالوان والخطوط اللينة الرقيقة والناعمة بإتقان ودقة ، فمن خلال التبادل اللوني ووضعه لكتل اللون الأحمر وتكرارها بشكل دقيق واستخدامه للون الأخضر ازداد إشعاع اللونين أحدهما مجاور الآخر في اللوحة فضلا عن تداخل المشاهد المكونة للوحة من خلال موازنته بين الالوان الحارة والباردة مما خلق انسجاما وتداخلا بين الاشكال تجذب الناظر الى فكرة الموضوع وتتبع مجرياته التي يتحد بها الجو العام للعمل الفني بواقعيته.


مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.