مبادئ بنية التكوينات الفنية الاسلامية .. الحركة والايقاع ح2
تطرقنا في دراسة سابقة عن بعض المبادئ التي يستعين بها الفنان المسلم في تنظيم عناصر المنجز الفني الاسلامي ، وفيها تم التعرض ببساطة لمعنى الوحدة الجمالية بين مفردات المنجز الفني وسيادة بعض الاشكال عن غيرها في المنجز الواحد ، واليوم سنتطرق لمبدأين آخرين مكملين لما ذكر انفا في محاولة مبسطة اخرى لفهم مبدأي الحركة والايقاع .. والله الموفق .
يعد عنصر الحركة من اسرار تكوين بنية الصورة الإسلامية ، سواء أكانت في الفنون ثنائية الأبعاد كالتصويروالخط والزخرفة وحتى التصميم ، او ثلاثية الأبعاد كفني النحت والعمارة الاسلامية بوصفها القاعدة الأساسية في التكوين لكل هيئة فنية اسلامية ، كوننا لا نجد شكلاً من دون حركة وهي فعل ينطوي عليه تغيير ولذلك يقابله فعل وليس من الضروري ان يكون هذا الفعل على هيئة حركة مميزة للمشاهد ، فقد يكون شعوراً على هيئة أحاسيس مقترنة بالحركة في التكوينات التي تسود فيها الخطوط المائلة والأشكال المثلثية أو الهرمية او غيرها .
فقد حاول الفنان الشرقي القديم والرافدي بشكل خاص تمثيل الحركة في صورتها المجردة من خلال ربطة لزمان الفعل التصويري بالرؤية الحدسية لا البصرية الحسية ، خلافا للفنون الاخرى ومبدعيها ممن انصب جل اهتمامهم بتمثيل الحركة في الزمان في صورتها المرئية للمشاهد ( المادية المحسوسة ) تجسيداً لرؤيته البصرية التي تدرك مظاهر الأشياء ، بينما الفنان المسلم استوعب الماضي وتأثر به بروحيته الشرقية المميزة وهضم الحاضر بحظور روح الاسلام ، ليستبطن حقائق الوجود بأبعاده الفكرية باسلوب التسطيح المعتمد على الرؤية الحدسية الذي يبحث من خلال أنواع الحركة عما هو مخفي وراء الاشكال المرئية ليحيل المرئي زخرفيا الى عناصر كلية متكاملة ذات حركة وسكون .
لقد اعتمد الفنان المسلم في تكوين الحركة وبشتى اختصاصاته الفنية على تكثيف الخطوط المستقيمة والمائلة والمنحنيات والدوائر للعناصر الزخرفية النباتية والهندسية لتشترك مؤلفة اشكالا تحيلنا الى فكرة اللاتناهي هذا الرمز الذي مازال يشكل مع تكوين الكعبة الشريفة (المكعب) هاجسا مهماً ، يعطي قدسية للامرئي المطلق المتمثل بالوجود الالهي .
اما عن مفهوم الايقاع ، فلو تأملنا عن كثب في سر العلاقة ما بين عناصر تكوين الصورة الفنية الاسلامية الواحدة لوجدنا ثوابت عديدة منها ، انه لا وجود للخط الأفقي أو العمودي أو أي خط آخر دون اتجاه معين .. وايضا لا وجود للمساحة بدون حدود للصورة ، ولا لون بدون تضاد أو انسجام ولا وجود لحركة دون إيقاع ، فهي علاقة متواشجة منسجمة في بوتقة واحدة هي الهيكل المحسوس ( الصورة المرئية للمشاهد ) .
فنجد الإيقاع في المنجزالإسلامي يتمظهر عند تكرار الكتل أو المساحات التي تتألف من ( وحدات زخرفية) قد تكون متماثلة تماماً أو مختلفة عن بعضها البعض ، ويقع بين كل وحدة وأخرى مسافات سالبة بيضاء تدعى بـ ( الفترات ) ، وهنا يكون الايقاع مميزا للمشاهد كنوع من التوزيع بين السالب والموجب في مليء المساحات والمتوقف على طبيعة تكوين الخط واللون والعناصر الأخرى ( بحسب اختلاف المنجز .. معماري او زخرفي او غيره ).
وللإيقاع مراتب عدة بحدود الصورة في الفن الإسلامي ، منها ما يسمى بـ ( إيقاع رتيب ) أي الذي تتشابه فيه كل الوحدات والفترات تشابهاً تاماً من ناحية الشكل والحجم ما عدا اللون ، ومنها ما يعرف بـ ( الإيقاع غير رتيب ) الذي تتشابه فيه جميع الوحدات مع بعضها ، إضافة إلى تشابه الفترات مع بعضها جميعاً ولكن وجه الاختلاف بينهما هو الشكل والحجم واللون ...وهنالك نوع ثالث من الإيقاع يطلق عليه ( الإيقاع الحر ) وهو الذي يختلف فيه شكل الوحدات مع بعضها اختلافا تاماً فضلا عن ،اختلاف الفترات عن بعضها اختلافاً تاماً ايضا كما في اغلب تجريدات الفن الإسلامي الزخرفية والمعمارية ،ويكون هذا النوع من الايقاع في مستويين هما ( الايقاع الحر العشوائي ) والذي يمكن إدراك عقليا بسهولة حيث تكون فيه الوحدات والفترات مرتبة بشكل مقبول ، اما المستوى الثاني من الايقاع الحر فيطلق عليه تسمية ( الإيقاع العشوائي ) والذي تظهر فيه الوحدات والفترات مرتبة ترتيباً عشوائياً بعيداً عن الدراسة والتدقيق
وهنالك إيقاع اخر يحصل حينما يناقص حجم الوحدات بصورة تدريجية مع ثبات حجم الفترات والعكس صحيح ايضا ويسمى بـ ( الإيقاع المتناقص ) ، فضلا على وجود إيقاع اخر يدعى ب( المتزايد ) ويحصل عند تزايد حجم الوحدات بصورة تدريجية مع ثبات حجم الفترات او العكس .
فالإيقاع في الفن الإسلامي اذن .. ما هو إلا شعور أو إحساس بوجود حركة ديناميكية في الصورة الإسلامية من خلال تكرار وحدات بصرية منظمة ، والتكرار لا يعني التطابق بل التقارب بين المتشابهات ، وهذا مايعود بنا الى مفهوم التكرار في الزخارف الإسلامية وعلاقتها بفكرة التسبيح والعدد التي وردت في الكثير من الدراسات المختصة في هذا المجال ، للتعبير عن اللانهائية واللامحدودية المنفتحة بالتكوين الفني نحو الخارج الى مديات بلا حدود ، تحيل المتلقي الى اللامرئي المطلق المتمثل بالخالق المبدع جل شأنه . .. يتبع ..
جمع وتحرير
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.
