العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

خيالات ..

3,014 مشاهدة4 دقيقة قراءة

لاشك ان الخبرة الفنية ما هي الا ثمرة للتفاعل بين الفنان الموهوب من جهة وبين بعض مظاهر العالم الذي يعيش فيه من جهة اخرى.. و هذه التفاعلات انتجت بدورها نمطا هجينا في الفن وبالخصوص فن الرسم والرسم العراقي على وجه التحديد.. من خلال تفاعل الفنان مع بيئته المحلية وتوظيفه للنمط الغربي المكتسب ومن ثم اخراج سياق فني يمثل انعكاساً لخبراته التي ذهبت جاهدة باتجاه الحداثة مستغلا موروثه لإنتاج وجه جديد للفن .
ادخل الفنان العراقي مفاهيمه الخاصة في بناء نظامه الفني وفق ما آلت اليه تصوراته الذاتية، وكان منطلقا من واقعه الذي كان يعيشه محولا اياه الى طاقة ادراكية بواسطة معالجته المفهومية ومحليته في محاولة ناجحة لرؤية العالم الجديدة والكشف عن الطابع الجمالي الذي تحمله تجربته الفنية الجديدة .. وقد عكست كثير من الاعمال الفنية حياة المجتمع العراقي وتراثه ومنها اللوحة اعلاه التي تمثل احد اعمال التشكيلي العراقي سعد الطائي، حيث كانت لبيئة وتراث مدينة بابل التي عاش وترعرع فيهما الأثر الكبير على أعماله الفنية .
أستخدم الطائي في تكوين هذه اللوحة أسلوب التجريد الهندسي القريب من التكعيبي .. وعمد من خلاله الى تحديد مساحات المشهد التصويري الذي مثل اشكالاً مميزة من العمارة الإسلامية بقبابها ومآذنها وأبوابها ونوافذها وبشكل افقي مستطيل.. فالتكوين العام للمنجز أعتمد على تداخل وتراكب المساحات الهندسية بأسلوب قريب إلى الأساليب المعمارية وبطريقة توهم المشاهد بتعدد نقاط النظر لأنه شكل ذو محاور متعددة ..مما اعطى تماسكاً ووحدة للتكوين العام ساعدت على استقراره ورصانته على الرغم من تزاحم الاشكال فيه .
  لم يهتم الفنان بشكل المفردة وإبراز تفاصيلها بقدر اهتمامه بإبراز الهيئة العامة لها وإكسابها نوعاً من العاطفة بواسطة الألوان المتناغمة فالألوان أضفت على الأشكال شاعرية مميزة محملة بالعاطفة.. وأوحت بالحركة من خلال انتقال العين بين وحدات المشهد ، فساهمت في تأثيرها على الحواس وإثارة الانفعالات الداخلية، فضلاً عن مضامينها الرمزية باعتماد الفنان على استخدام بعض الألوان الحارة كالبنفسجي والاحمر الفاتح والأصفر والبرتقالي في تكوين غالبية المساحات الممثلة بالقباب والبوابات.. في حين استخدم الألوان الباردة في مساحات أخرى ممثلة بالأزرق والاخضر و التركوازي واللون النيلي المائل للسواد في الاقواس، وقد أُوحت هذه الألوان بالعمق والفضاء الداخلي الذي شكلته المساحات ،كما ساهمت الألوان باجتماعها بالإيحاء الرمزي في خلق صورة تشكيلية جسدت المفهوم الروحي والديني والإسلامي المحمل بالعاطفة الدينية. 
   اعتمد الفنان مبدأ التكرار في مفردات المشهد.. حيث كرر القبة والاقواس والبوابات والنوافذ والأشكال الخطية الاقرب الى المعينية بشكل أزواج، ليعطي إيقاعاً منتظماً يحقق وحدة في الموضوع ويساهم في إيجاد قيمة تشكيلية، فضلاً عن القيمة الجمالية المتحققة من خلال تناسق أجزاء الوحدات وانسجامها وتوازنها حول الشكل الرئيسي الذي احتل مركز السيادة وهو شكل البوابة المرتفع في وسط المنجز ،فهو مركز الجذب البصري ،كما أكد الفنان على تكرار الأشكال الخطية ضمن مساحات هندسية تخللت البناء العام للمشهد، لكي يعطي تنظيماً لوحدات المشهد فاجتمعت الألوان والأشكال بدراية لتوحي بحالة بصرية وجمالية .
   إن توظيف الفنان للرمز الإسلامي المتمثل بالبوابات الإسلامية والقباب والاقواس و رمزية الألوان كان مقترناً بمجموعة دلالات، فالمنجز بشكل عام يحمل مضموناً اجتماعياً دينياً وارثاً محلياً واضحاً للمشاهد، فالمضمون الاجتماعي للرموز الإسلامية المنفذة على سطح اللوحة تمثل واقع المدينة الإسلامية والمساحة التي تشغلها في المجتمع، كونها البيئة الرئيسة للفرد في المجتمعات الاسلامية وهي بالتأكيد تحظى بأهمية كبيرة عندهم، فهي المكان الذي يمارس فيه الناس طقوسهم وشعائرهم وفعالياتهم اليومية . 
أما المضمون الديني فتمثله الأجواء الروحية والقدسية التي تحملها كل من القبة والبوابة والمئذنة، فالقبة رمز المسجد ورمز السماء وهي تتجه بخطوطها نحو السماء.. والمآذن هي المكان الذي يرتفع منها صوت الآذان، فيما تكون البوابة رمزاً للفرج حيث مثلت بشكل متكرر يتخللها فضاء مضيء يشير الى عالم الاخرة .. لتبدو كأنها المنفذ الوحيد الرحب الذي فيه المتنفس عن العالم المزدحم بالأشكال الهندسية ذات النقاط المتباينة الاتجاه.
 ان البناء العام لأشكال الرموز الإسلامية التي استلهمها سعد الطائي من التراث الإسلامي أفصح عن الشكل الجمالي الخالد الذي حمل مضامين مقدسة نقية تشعر المشاهد بلذة روحية خلال تأمله لها.. كما حاول الفنان جاهداً ان يعبر عن أفكاره بأشكال هندسية معمارية ليكشف لنا عن عالم من الحياة المثالية، والتي تمكن من خلالها صياغة رموزه الإسلامية بشكل مقارب للواقع والافصاح عن المضمون بطريقة مرهفة ومعبرة عن العقيدة الإسلامية ودفع المتلقي نحو تلمس الجماليات الخالدة للفن الاسلامي وأصالة هويته.
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.