العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

التكوين الفني ومعايير المفاضلة الجمالية..

4,033 مشاهدة2 دقيقة قراءة

تعد المعايير بشكل عام من أهم المميزات القياسية التي يتميز بها الفكر المعاصر.. حيث يتم بوجودها تكميم وتقييم الظواهر المختلفة بكل نتائجها المادية والمعنوية وعلى مستوى العلوم الصرفة والإنسانية على حد سواء، إلا إن الإشكالية في تحديد معايير قياسية تبقى نسبية في العلوم الإنسانية وخصوصاً في مجالات الفنون المختلفة، حيث تكون الظاهرة الفنية عادة بحالة جدل وحوار- عند الفنان والمجتمع - بفعل تباين انتماء الفنان ونوع العمل لاتجاه معين دون الآخر، ويرتبط هذا الجدل بالمرجعيات الفكرية ذات الجذر الفلسفي للفنان المبدع - كجزء من مجتمع ما-، والتي تحدد بدورها قيم اتجاهه الفني وتوضح خصائصه المتفردة.

 من هنا تتضح مشكلة تحديد المعايير الجمالية في المنجز الفني التشكيلي، وذلك تبعاً لفعل التغير والتحول في الأسس الفكرية وآلية الاشتغال والإنجاز، اضافة لبنية الذائقة الجمالية و ما ينجز من اتجاهات وأساليب في حدود زمكانية معينة ترافق حركة الفن بإنجازه، حيث تكمن صعوبة تحديد معايير للمفاضلة بين النتاجات الفنية ضمن الحقل الواحد أو حقول متعددة، في عدم توفر نماذج مطابقة يمكن أن تشكل قيمة قياسية.. يتم على أساسها تعيين صفة المفاضلة والتمايز من حيث المحتوى الجمالي وصفات الإظهار بين النتاجات الفنية.

 وتأتي صعوبة تحديد المعايير الجمالية ايضاً في انها مرتبطة بالتحول الدائم والمستمر للاتجاهات والأساليب الفنية، سواء كان ذلك على مستوى التكوين الشكلي والخلق البصري الذي يبدع فيه الفنان.. أو على مستوى مضمونيه العمل وعلى الرغم من نسبيته في بنية الإنجاز الفني، وهذا التغير والتحول الذي تم بفعل ضواغط خارجية أو ما يتمثل بديناميكية العمل الفني ذاته، لم يكن لمقدرة العمل على إدارة نفسه بنفسه بل لرفع قدرة التأويل من قبل المشاهد المتلقي.. فالعمل الفني ما هو إلا متحولات متباينة في مستوى تركيبها ودلالاتها تبعاً لمرجعيات المتلقين وآليآت المتذوق وحركة الفعل الفني بحدود جغرافية الثقافة ضمن حيزها المكاني والزماني، والتي تؤسس معياراً يسود لفترة ما.. ثم لابد أن يضمحل تحد قوة الجدل المتفاعل والمتداخل معه، فضلاً عن التفرد والذاتية التي تميز النص الفني والتي تجعله أكثر مرونة في التحول والانسيابية مما يجعله لا ينضبط بقانون ولا يمكن أن تحدد حدود حركته من قبل أي مشاهد على الرغم من فردانية المنتج الفني الابداعي وتعددية الصيغ البنائية له ولا ضمن تجربة واحدة بكل مرجعياتها ورؤاها الفنية.. فكل له عين يرى بها ما يراه من الجمال ويؤول ما يشاهده كما يشاء بما يحمله من ثقافة ومرجعيات فكرية مختلفة بين فرد وآخر.

وبذلك تبقى عملية تحديد المقاييس او المعايير التي يحكم من خلالها على جمالية العمل الفني وأهمية ومستوى أدائه الانجازي من أكثر وأشد الصعوبات التي واجهت المشتغلين في مجال الفنون التشكيلية على اختلاف انواعها.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.