العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

الذات والذاتـــية .. من نظم المعرفة الانسانية

1,761 مشاهدة4 دقيقة قراءة

الفن بأنواعه هو نتاج فردي أساسه الإنسان ومصدره المدخلات والمخرجات الحسية بلا ادنى شك، وان المعطيات الأساسية في تشكيل التجربة البصرية الفنية داخل حقل الوسائط يتكون بفعل التحولات التي تطرأ عليها بفعل قدرة المدخلات على تغير نمط الاتجاه الذي يشتغل علية الفنان ، ذلك مما يحقق الذاتية المتفردة ضمن دوائر التخصص الفني من جانب ومن جانب أخر فإن الفن صفة متعالية عن الموضوعي وتصلنا عن طريق الادراك والوعي المتأتيان من المشاعر والخيال والحدس المرتبط بالوعي الأدائي .

وهذا ما يجعل النزعة الموضوعية أشد خطورة فهي تغفل ما هو أهم عند الفرد (الذات) متجاهلة المعطيات الأكثر تحققاً في التجربة الفنية لصالح ما هو مجرد وكلي وعام ، فالموضوعية مرتبطة ارتباطاً حتمياً بحدود المعادلة في حين يسعى الفن على عكس نظام المعادلات محاولاً تهميش كل ما هو عام لصالح ما هو روحي خاص، وبالنتيجة صياغة قوانين خاصة لا تخضع لأي قوانين عامة وشاملة، هذا إذا ما عرفنا الإبداع بعده ضرباً من ضروب التحرير من قيود الزمان والمكان، ولا يعد الإبداع توسيعاً وتحولاً للآفاق إلا لأنه يحطم ما هو مألوف ومعتاد ومستقر وثابت في القوانين العامة بل هو ينزع من تناقض صيغ متوازنة ومنسجمة ويجعلها أكثر قدرة على التفوق، من القوانين الموضوعة ضمن منطقة الإبداع والعرف الجمالي، وبذلك  فالذاتية نقطة البداية للعملية الإبداعية وهي الأساس الحقيقي للمعرفة الفنية ، بل نستطيع الجزم بأن العمل الفني هو حقيقة الذات المخرجة على السطح التصويري .

ولو حاولنا الوقوف على مفهوم دقيق للذاتية لوجدنا انها مجموع القيم المتحققة والمندمجة في واقعة ما، تشكل بمجملها كلاً متكاملاً متجاوزاً حدوده المكانية والزمانية ومؤسسة لقوانين خاصة تتحول بتحول العاطفة والوجدان والقيم الاجتماعية والعقائدية كما إن المرجعيات البيئية والفكرية والدينية هي الأساس الذي تنطلق من الذات المبدعة الحرة لتحقيق فعل الإبداع ليس بالمماثلة والمحاكاة بل بالخروج  بصياغة جديدة تتناسب وقيمة العمل الفني وموضوعه .

فإذا كانت الموضوعية عملية مسيطرة عليها عقلياً متنحياً منها الجانب الروحي والعاطفي والوجداني فالذاتية تتحقق باندماج العاطفي الحسي الروحي مع العقل التجريبي بحرية تحركها إرادة حرة غايتها الوحيدة إنتاج أثر فني يتفق وينسجم مع ذات الفنان وفكره وعقيدته وكأنه جزءاً منها، فالذات بعيدة عن المخيلة وكثيراً ما تغير من نظم التركيب بما ينسجم ويتلائم مع المتحول الآني على السطح التصويري بقصد تنحيه الموضوعي والخروج بكوامن النص الفني، وعليه فالمفهوم الذاتي في المعرفة الفنية هو موضوعي من حيث نظمهِ المتحولة وإعادة الصياغة بقصد التفرد إلى الحد الأدنى من الخصوصية ، وهذا لا يتحقق إلا بقدرة وعي متعالية متفوقة تعي نظم العلاقات وآليات التحليل والتركيب وإعادة التركيب بما يضمن تحقق فعل الإبداع .

إن الذاتية والذاتي مصدر باث وفاعل داخل العملية الإبداعية في حركات الرسم والحديث منه بشكل خاص،  وهي لازمة له فالذاتية ثابتة بوصفها مفهوماً ومتحولة بوصفها آلية اشتغال وذلك بسبب التحولات في الأنظمة المشكلة لكل اتجاه ولكل ذات، فالمفهوم متداخل باختلاطه بالظواهر والوظائف والصور والدلالات التي يتوسطها بعلاقتهِ بالمرئي واللامرئي، ويكون ذلك عبر المتخيل وعلاقته بمفاهيم الأنا والروح والعقل والنفس والتي تتداخل في إنشاء مفهوم يعمل في سياقات مختلفة ، لذلك نجد الذاتي يتمظهر بأشكال مختلفة باستنادهِ للمنطلقات الجمالية والأسلوبية في الفن الحديث.

 ومما تقدم يتوضح لنا إن مفهوم الذاتي وفي كل مجالات العلوم الاخرى ، يشير إلى مجموعة من الحقائق العلمية والروحانيات والأفكار المتقاربة أو الصور الذهنية التي يستطيع الفنان أن يتصورها في موضوع الفن، لذلك تظهر الذاتية خارج قوانين الضبط والأحكام والتعميم التي تتسم بها الموضوعية في العلم، فالعمل الفني لا يهتم بالصفة والأشكال المصطنعة أو المفروضة على الفنان كونها تأتي وتنبع من خارج الذات ، فالذاتية وحدها تستطيع أن تتقصى لاستخلاص الرائع أو الجميل، وبتجاوز الواقعي والعابر السريع الزوال وغير الثابت فما هو جميل في الواقع إنما هو كذلك كون الذات تنظر إليه من وجهة نظر خاصة – وهذا مايسعى له الفنان المسلم في تجسيد اغلب لوحاته - ، مع إيماننا بأن الفن جدلاً قائماً على الاختلاف والاعتراض باستمرار من ذات الفنان وهذا ما يتفق ومفهوم الحداثة الفنية.

وعليه تكمن أهمية الذاتي كسمة من سمات المعرفة الفنية بأنها تجعل من النظام البنائي للعلاقات الشكلية يسير باتجاه معين عند كل تيار أو فنان مهما كان توجهه الفني، وهذا ما يجعل للعلاقات بين العناصر البصرية للشكل حياة روحية خاصة، تحمل صفات المنتج وأهدافه الجمالية.

ولذلك نجد إن مفهوم الذاتية والذاتي في الرسم الحديث يمثل قيمة معرفية وجمالية لا يمكن الاستغناء عنها في حقل المعرفة الفنية وحقل التشكيل بشكل خاص ومنه الرسم وإن اختلفت مظاهر الوعي وأساليب عمله في حركات الفن ومدارسه المختلفة .


مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.