الوان ساكنة..
اللوحة من ابداع التشكيلي العراقي ضياء العزاوي وكما هو معتاد في اغلب أعماله الفنية فهو يركز في مواضيعه على الأوضاع الإنسانية وتاريخ العالم العربي والاسلامي.. والتي تجلت في مجاميع من الأشكال البصرية المنتقاة من حياته اليومية وموروثه الحضاري والفكري، والتي دفعت به الى استخدم أكثر من الرسم كوسيلة للتعبير مثل ابداعه في فن النحت وفن وتصميم الأقمشة وصياغة بعض المدونات شعرية بصيغة جميلة، وبمزيج من التشخيص والتجريد في أعماله.
لو تأملنا في اللوحة لوجدنا انها عبارة عن سطح مستو يحتوي على مجموعة من الحروف المرسومة برشاقة في الأداء التقني ، حيث تظهر الحروف وهي اكثر تجرداً واعظم صفاء ، في محاولة لأثراء احساسنا البصري والجمالي بالملمس من خلال التقنية الأدائية المستخدمة من خلال التربيت بالسكين على الالوان الزيتية اضافة الى استخدامه الالوان الباردة التي توحي بالهدوء والسكينة التي تحتويها هذه الحروف .
فحرفي الهمزة والراء هما حرفين صامتين مائيين رطبين باردين، ويعد حرف الراء من الحروف المميزة رسما ولفظاً وكتابةً لارتباطه بأسماء الله التي يدعى بها هو الرحمن، الرحيم، الرزاق الرافع الرؤوف، وتم تشبيهه ووصفه شكلاً بالسف العربي والهلال عند شعراء العرب، وقد تعمد الفنان الى ان يجعله متوغلا في ابعاد اللوحة ومحاطاً بسحنة من الالوان الحارة والباردة وبدرجات متفاوتة من الحدة وبإيقاع لوني ساكن تحيط به اشراقة من اللون لابيض ممثلا فضاء اللوحة.
ونلاحظ ان اللوحة تبدأ بطرفها الايمن بالنسبة للمشاهد بحرف العين المميز باللون البني الغامق والمميز ببعض النقط البيضاء والحمراء المنتشرة على مساحته، في محاولة من الفنان للعب بالحرف من خلال العبثية المستخدمة في ذلك ومن خلال عملية الكتابة للحروف الاخرى المجاورة له في اللوحة بطريقة مقلوبة واخرى بنمط عبثي مميز بألوانه المختلفة، ويبدو جلياً ان العزاوي قد التزم ذلك بغية اضفاء طابعاً خفياً ورمزياً في اللوحة، بوصفها خطاباً ترميزياً يتطلب جهداً لتفكيك رسالتها وتسلمها .
وعلى الصعيد التقني نجد الفنان ضياء العزاوي مستخدما التقنية نفسها في اغلب لوحاته من خلال استخدام الفرشاة والسكين والزيت الكثيف، ونشاهد في هذا العمل تحقيق الفنان للوجود الانساني والكوني معاً من خلال جمع عناصر الوجود الاربعة الهواء و الماء و النار و التراب من خلال الدلالات الصوفية الكامنة في حروف الالف والراء والهمزة والعين المستخدمة في اللوحة ، التي ابتعد بها الفنان عن التشخيص والتجسيم في عمله مكوناً منها سطحاً ناعماً أملساً، وجاعلاً لها فضاءاً مفتوحاً من خلال الخلفية المميزة باللون الابيض الناصع .
وحين التدقيق في مفاصل هذه اللوحة واخريات من اعمال العزاوي يظهر لنا التأثير واضحاً بالأسلوب الاوروبي في طرح الاشكال والالوان، وقد حقق الفنان انسجاماً وتوافقاً لونيا من خلال الوان الاحمر والابيض والازرق والبني والاصفر وتدرجاتها المختلفة انتهاء باللون البنفسجي المتناثر في بعض اجزاء اللوحة والذي اضفى باشتراكه مع اللون الاحمر سيادة كاملة على اجزاء اللوحة، وهنا نجد ايضا كما في اغلب اعمال الفنان انه قد شكل ظاهرة تصميمية مميزة في معالم الرسم العراقي الحديث.. نحى من خلالها منحاً تزينياً زخرفياً لا ينفصل البتة عن ابداع الفنان الشخصي وعفويته، وتبقى في نفس الوقت سمات العمل التصميمية واضحة، من خلال التسطيح والاختزال في مد فضائي وحافة صلبة تتميز بها الاشكال المكونة للوحة ذات الرؤية التزينية.
مقالات ذات صلة




الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.