العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

المسحرجي.. صوت ينير عتمة الليل وسكونه..

3,144 مشاهدة4 دقيقة قراءة

دوّن كثير من الرواة والمفكرين الطقوس المرحبة بحلول بعض الأشهر العربية وصوروا التقاليد والعادات المرافقة لها، وقد رسم البعض منهم صوراً ناطقة حيّة عن هذه المحافل وبالخصوص اشهر ذي الحجة ومحرم الحرام وشهر رمضان المبارك واجوائها الروحانية والعبادية.. حيث تتجدد في طقوس هذه الاشهر - بالإضافة الى اعمالها العبادية - عادات مستمدة من الموروث الذي ما لبثت روحه ان تبقى حاضرة في مجتمعاتنا الاسلامية، وإن طغت ملامح الحداثة والتطور على مناحي الحياة المختلفة..

تتميز الطقوس الدينية المرافقة لبعض الاشهر القمرية المباركة بالتنوع بين دولة وأخرى واقليم وآخر، ولكنها تلتقي في طابع عام يجسد مفاهيم العبادة والعودة الى الخالق والتسامح والإخاء والألفة والمودة الذي نشأ وكبر معها الفرد المسلم، والسحور يعد من اهم العادات والتقاليد المرافقة لشهر رمضان المبارك، والذي ما يزال يشكل عبقا يعطر أنفاس المؤمنين الصائمين، فهو احد الطقوس العبادية المعبرة عن وجه من وجوه التراث العربي القديم والمستمدة من عمق التاريخ الإسلامي الاصيل، ليشكل مظهرا من مظاهر شهر الطاعة..  فهو يطرق أبواب الليل ليحل على القائمين الخاشعين للخالق جل وعلا ضيفا عزيزا مرحباً به.

لقد كان ومازال إيقاظ الناس للسحور يعد ضرورة مهمة.. وقد عرفته الدولة الإسلامية منذ فجر الإسلام، حيث ارتبط هذا الطقس الاسلامي العبادي بشخصية نبيلة محبوبة كانت ومازالت محط تقدير الناس، وكان الصحابيان الجليلان بلال بن رباح وعبدالله بن أم مكتوم  أول من قاما بتنبيه الناس باستخدام الأذان، فكان يقوم أحدهما بالأذان أولاً قبل الفجر ليقوم الناس للسحور، ثم يؤذن الثاني ليمسك الناس عن تناول الطعام، وقد وردت كثير من الروايات عن اهل بيت النبوة الاطهار سلام الله عليهم حول اهمية السحور في هذا الشهر الكريم.. فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( تسحروا ولو بجرعة من ماء، ألا صلوات الله على المتسحرين ).. وقال عليه السلام: إن الله  وملائكته يصلون على المتسحرين والمستغفرين بالأسحار، فليتسحر أحدكم ولو بجرعة من ماء ).*

ان اشراقات وقت السحور ونداءاته وتلك الطقوس الرمضانية الخالدة أضافت نكهة وجمالية قل نظيرها على كل مجالات الحياة  ومنها المجالات الفكرية الثقافية بشكل عام والفنون بوجه خاص، حيث الهم كثير من الفنانين بإنجاز اعمالهم الفنية الابداعية بتكويناتها الفريدة من قبسات واجواء هذا الشهر الكريم.. مجسدين فيها اصالة المجتمع العربي المسلم وبعض من طقوسه وتقاليده التراثية ومنها طقس السحور والمسحرجي في رمضان،

المسحرجي... تلك الشخصية الفلكلورية المهمة التي تعد من الثيمات والأيقونات الفنية, ألهمت مخيلة الفنان التشكيلي وشكلت عنصرًا أساسيًا انطلق منه للتعبير عن الشهر الفضيل، ما زالت تجوب الشوارع والازقة الضيقة مخترقة ظلمة الليل وهي مستمرة بالعمل في مدننا ومدن العالم العربي والاسلامي طيلة ليالي شهر المغفرة وعلى مر السنين، حتى اصبحت موروثة بين افراد عائلة  تلك الشخصية،  ليطوف " المسحرجي " بين البيوت موقظا الناس قبيل أذان الفجر، بصوت طبله وحنجرته التي ترتفع بصوت جهوري منشدا بعض التراتيل بلحن مميز لتندمج مع تمجيد مآذن بيوت الله ، بأطوار مختلفة والحان شجية مؤثرة، داعيا ومذكراً ومحرضا أن " قوموا لذكر الله وتسحروا  ".

أبدع اغلب رسامي هذه الثيمة الفنية  في رسم تفاصيل هذه شخصية المسحرجي واستطاعوا من خلالها ايصال افكار اعمالهم  للمتلقين بكل بساطة وهدوء معبرين عن ملمح من ملامح الاجواء الرمضانية من حيث توزيع الأشكال والوحدات الصورية والوانها الباردة والحيادية.. وخلق إنشاء تصويري مميز متبعين النظام والدقة في رسم التفاصيل والأجزاء، حيث صور اغلبهم عتمة الليل والإضاءات البعيدة اللافتة للانتباه مظهرين شبابيك وابواب البيوت في الازقة الضيقة والفوانيس الرمضانية التي تعلو اركانها وإضاءتها الخافتة التي تعم أفضية لوحاتهم وخلفياتها، مصورين بذلك روح الحاضر والماضي الجميل في ليالي شهر رمضان الذي يشع بالحياة وينبض بعطر لياليه الساحرة  والالفة التي تجمع الناس على الرغم من العتمة وظلمة الليل.

ما أعظمكَ من شهرٍ وما اكرمك وما أعذبَ أيامَكَ.. لقد جعلكَ اللهُ سراً بينه وبين عباده، يسبغُ عليهم فيكَ رحمتَه ورضوانَه ، فأنتَ مأوى النفوسِ المتعبة ومرفأ للعبادِ وواحةُ الحق المبين... تقبّل الله صيامكم وقيامكم وصالح أعمالكم وغفر الله لنا ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين  .

* المقنعة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣١٦

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.