المحرك العلامي في الرسم العراقي المعاصر..
تعد ظاهرة استلهام الموروث الحضاري والحروف سمة مميزة الفن العراقي المعاصر لاسيما في الحقبة الأولى من مسيرة التشكيل العراقي إذ شكل التفسير العلامي والحروف قيمة غنية في معطياتها الجمالية.. كونها تحاكي الجمال الكلي غير الخاضع في منطوقه لزمان ومكان محددين.. والذي يمتد بظلاله على أرضية الفن الحديث محلياً وعالميا، لنجد كثير من المضامين والأشكال داخل حضارة الشعوب القديمة تستحوذ على اعمال وابداعات فنانين عالميين أمثال بيكاسو وخوان ميرو وبول كلي وبكابيا ودالي وغيرهم، ولا نأتي بجديد إذا قلنا أن الفن العراقي المعاصر من جيل الرواد حتى الوقت الحاضر هو قائم على مفردات جمالية تراثية، مثل اشكال الهلال المختلفة التي أسس لها الفنان جواد سليم، والتي كانت بمثابة العصا السحرية للأجيال الفنية اللاحقة.
فلو دققنا النظر في الاعمال الفنية العراقية لوجدنا ثيمات رائعة افرد لها الفن العراقي جانبا مؤثرا في أصالة وخصوصية الفنون الشرق اوسطية المعاصرة.. حيث شكلت اغلب الاعمال الفنية لجيل الرواد في العراق اساساً ومنطلقاً للحركة الابداعية الحداثوية في المنطقة العربية وعلى صعيدي الشكل والمضمون ..
أن الأعمال ذات المضامين شغلت قدرا واسعا في ساحة الفن العراقي ونحن الآن أمام مضامين على درجة من التشفير طالما استحوذ على الفنان والمتلقي على حد سواء.. لاسيما المضامين الدينية واستلهام الحرف والإرث الحضاري القديم، فلو تأملنا اعمال الفنان جميل حمودي إلى جانب ابداعات الفنانة مديحة عمر لوجدنا انهما أعطيا للحرف العربي بعده الجمالي خارج منطوقه اللغوي، ويظهر ذلك جلياً في اعمالهما المحملة بمضامين من التراث الإسلامي من خلال القيمة التي تبثها الحروف والكلمات وقداسة اللغة المقتبسة من الفكر الإسلامي، فالقرآن الكريم كلام الله ويحمل ما يحمل من الترميز والعلامات تتخطى معجميتها التداولية، فضلا عن دور اللغة كخطاب تداولي ضاغط ارتقى في بعض المناهج النقدية الحديثة ليكون الانموذج المثالي الذي يجب أن يعمم على كل الدراسات والمناهج مثال ذلك النظرية البنائية التي ترى في اللغة وعبر تراكماتها وصياغتها المتكررة منذ كتابة الأسطورة وحتى وصولها إلى ما وصلت إليه من الاختزال والترميز والبناء النموذجي كلغة تسري داخل المجتمع وفق علاقة نسيجية لا يمكن إلا القول بها والتعامل معها ومن خلالها.
هذا الخزين الحضاري لا يمكن إغفاله في الاستعارات الفنية التشكيلية كمضمون متشعب الأطراف داخل ذاكرة الأفراد والجماعات والفنان العراقي الحروفي يعيد اللحمة الواقعية مع الرمز داخل اللوحة مستنفرا طاقات الحرف العربي الكامنة في الخزين الثـقافي.. فهو يزاوج بين الإرث الحضاري لتاريخ العراق القديم مع الإرث الإسلامي لدلالة الحرف مع العصور المزدهرة لتاريخ العراق إبان فتوحات المسلمين والخلافة الإسلامية مرورا باستمالة إفرازات الحضارة الغربية على النسق الجمالي، فالمضمون المعبأ في تلك الاعمال الفريدة ذو ترابط علائقي بين ما يحفظه التاريخ من طروحات الفكر الإسلامي من خلال لفظ الجلالة وتاريخ العراق القديم وعاصمة الخلافة بغداد، وقد تطرق بعض الفنانين لأكثر من تلك المضامين فمنهم من اصبحت اعماله على تماس مع الموروث العشائري والبداوة وقساوة الصحراء وآخر وضف مضمونا عقائدياً يعيش في الوعي الاجتماعي لينتج اعمالاً محاطة بهالة من القدسية في خطابها الروحي.. فالإرث العقائدي بعيد عن أن تطاله أوجه المغايرة وبالتالي فان المتعرض لهكذا مضامين يكتسب عبر حالة التجاور ذات القدسية في ثـقافة المتلقي.. كما فعل الفنان سلمان داود في اعماله الفنية التي لم يغفل أن يضع المتلقي المتعرض لها في تناظر روحي بين ما يعتقده وما يراه عن ذلك الاعتقاد وهذا التناظر يعزز طبيعة التحاور والتفاعل ويعطي المشاهدة والتلقي وجهتها الجمالية.
ان وحدة المعاينة لمضامين هذه الفئة من اللوحات ترينا وحدة الترابط بين الشكل والمضمون داخل العمل.. وهنا يصدق من قال- أن لكل مضمون شكلاً يليق به- وكلما اقتربنا من التمثيل الايقوني نكون إزاء تطابق مباشر مع هذه المقولة.. فاللوحة اعلاه مثلاً نجد فيها تداخلاً بين تشكيلات الحروف داخل لغة التشكيل التي ربطت بين الفضاء والتخوم عبر مساحات لونية واستطالات وأقواس ودوائر تجاورت مع الحرف الذي غابت عنه قاعدته الشكلية التي تحكمه بها قواعد الخط العربي المعروفة، فقد اخذ الشكل الحرفي مطواعية المساحات داخل اللوحة فالشكل الهرمي الذي اعتلاه لفظ الجلالة في أعلى اللوحة دليل للسطوة الشكلية داخل عناصر التشكيل الأخرى لاسيما وأن مساحات متدلية على جانبي لفظ الجلالة تمثل الحروف المشكلة لكلمتي بغداد وعشتار اللتين ضمرتا خلف الرؤية المباشرة تحفز المتلقي على المتابعة والاكتشاف فأشكال الحروف تداخلت مساحتها لونيا مع المساحات الأخرى كالفضاء وأشكال القباب وقرص الشمس أعلى اليسار وهذا يحد من مباشرية الحروف فالفنان جميل حمودي لم يشأ أن يظهر الكلمات كما هو حالها في منطوقها التداولي اللغوي السائد بل أراد أن يكون للحرف لغة اشهار أخرى قيد الطرح لتقر تداوليا مع المشاهد.
ولا شك ان لغة التشكيل في اللوحة اعلاه ومثيلاتها من نفس الجنس أعطت تعبيرا عن النظرة الشمولية والكلية للإرث الحضاري الموحد عبر حالة التداخل والامتزاج والتراكب داخل المكان الفني.. فالمتلقي يعيش حالة من الترابطات داخل منظومة ترى الحاضر في تواصل وامتزاج مع الماضي من خلال محاولة الفنان لإظهار المزاوجة بين الواقع العياني والواقع الخيالي المطروح أمام المتلقي ورؤيته الجمالية للأشكال التي تعيش وتنمو عبر حالات التصادم تلك.. ومن هنا يمكننا الجزم إن الحد من واقعية الأشكال داخل التشكيل العراقي المعاصر أخذ شيئا فشيئا بالاتساع وذلك بفعل تغيرات منظومة الوعي الجمالي لدى المتلقي العراقي.. عبر ارتفاع كم المشاهدات والاطلاع على تنوعات الرؤية الفنية داخل الوعي الإنساني العام، وهذا التغير ليس مفاده أن النسق الجمالي كامن في تجريد الأشكال، بل أن ذائقية المتلقي سائرة بذاك الاتجاه لأن الحقيقة الجمالية المحلية ليست في قياس التوافق والاختلاف مع التوجهات الوافدة من الخارج لكن الحقيقة تكمن في ايجاد نموذج ممثل بموضوعية ترقب خط السير التداولي في منظومة التلقي في العراق فالإنسان العراقي أول إنسان رامز ومختزل لعلاقاته داخل الوجود واول من تكيف بيئياً مع المكان.
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.
