العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

عاشوراء بحر الدم

11,582 مشاهدة4 دقيقة قراءة

عاشوراء بحر الدم اسم على مسمى لبانوراما ملحمية رسمت في العصر الحديث ، افلح في توصيف مشاهدها الفنان الايراني الدكتور (منصوروفایی) تتلمذ على يد امهر واشهر الفنانين الايرانيين من اعلام فن المنمنمات امثال حسن اسماعيل زاده وغيره ، بدأ مشواره الفني منذ طفولته وفتحت له بعض الافاق على يد استاذ الفنون في المرحلة الاعدادية مما زاده عزما واصرارا على الغور في عالم الفن التشكيلي والسير على خطى اساتذته حتى حصل على شهادة الدكتوراه واصبح استاذا للفن .

انفرد الدكتوروفایی في اغلب رسوماته باسلوب مميز مستمد من التراث الشعبي الايراني يسمى (القهوة خانه) وهو نوع من الرسوم يقترب من رسوم الشاهنامه الايرانية المعروفة المقتبسة من فن المينياتور ( الرسوم التصغيرية ) ، رواده اناس مولعين بتصوير الاحداث الشعبية اليومية في الشارع الايراني مما دفع بالفنان الى استخدام هذا النوع من الرسوم سعيا للحفاظ على التراث الشعبي لبلده .

  نفذت مشاهد بانوراما (عاشوراء بحر الدم) باسلوب القهوة خانة على قماش الكانفاس الابيض بابعاد 2*4 متر استغرق الفنان في انجازها اشهرا طويلة مستعينا بقراءته للعديد من الكتب التاريخية والدينية الرصينة للالمام بمجريات الطف وتسلسل احداثها .

البانوراما فريدة من نوعها فقد جاءت بكل وقائع عاشوراء في لوحة واحدة على شكل حلقات متصلة الاحداث تاريخيا و مبعثرة مكانيا ( في السطح التصويري ) مصورة مسيرة ابا عبد الله عليه السلام بدأ من خروجه من الحجاز وصولا  لاحداث عاشوراء ومعركة الطف الخالدة ومامر به الامام الحسين عليه السلام وعياله واصحابه حتى استشهاده وقطع راسه الشريف الذي نقل ليزيد لعنة الله عليه ، وهي ذات مشاهد مترابطة في وحدة موضوعية لها بداية ونهاية وتنقسم الى فضاءين اساسيين يشطران اللوحة افقيا ، اعلاهما اشتمل على اغلب الوقائع والاحداث التي دارت بعد المعركة اما الاسفل فيمثل معركة الطف وصولاتها و نتيجة عاشوراء والمتمثلة ببحر من الدم على شاطئه قصرذي باحة مرتفعة النخيل.

استخدم الفنان كافة العناصر الفنية من الوان وشخوص وعمارة وغيرها في انجازهذه الملحمة الفنية التي بدأت على مايبدو للناظر من اعلى وسطها حيث ترتفع في السماء رسمات ورموز لبعض الانبياء والرسل ممن رثوا وبكوا الحسين عليه السلام

كأنبياء الله عيسى وموسى ونوح عليهم وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام مصورا اياهم كل بمعجزته ، ومن اسفلهم وفي مستوى نظر القاريء من اليسارمشهد ليلي ممثلا اياه كرقعة من الجلد يقتطعها سيف من الاعلى يوحي للخيام ومن فيها  حينما امست عقيلة الطالبيين بلا حمى بعد ان فقدت ظل اخوتها في افجع مظلومية حلت باهل بيت العصمة سلام الله عليهم ، والى الوسط صور الفنان ركب السبايا في قافلة تسير بشكل نصف دائري متجهة نحو قصرالطاغية يزيد في الشام يتقدمها الراس الشريف مرفوع على رمح اموي تتوسط المشهد اجساد الشهداء وبعض الخيل معلنة انتهاء المعركة ، ولو استمر الناظر بالمسير مع ركب السبايا لوجد نفسه وسط مشهد اخر اكثر ايلاما لاجساد الشهداء ومن فوقهم تحلق ملائكة السماء تنعى دماءهم  الزاكيات ويتوسطهم شاخص للصخرة التي وضع عليها الراس الشريف في الشام وصولا الى اقصى يمين اللوحة ومشهد يمثل وصول السبايا والراس الشريف الى قصر الطاغية يزيد مصورا شخص عليل كربلاء الامام السجاد والعقيلة زينب عليهما السلام وسط المشهد .

ولوتوجهنا بانظارنا الى وسط اللوحة نجد انفسنا قد عدنا الى يوم العاشر من محرم مرة اخرى حيث المشرعة وكفوف ابي الفضل العباس واستشهاده والى اليمين منه الحسين عليه السلام حاملا الرضيع بين يديه واسد من امامه يعيدنا الى الاجساد الطاهرة وحمايتها بعد تركها في العراء ، وصولا الى اقصى اليمين والجيش الذي يهم لقتل ابي عبد الله الحسين عليه السلام واتباعه الراكعين الساجدين في صلاتهم قبيل المعركة .

وفي مشهد اخر شغل الحيز الاكبر من البنية التكوينية للوحة عمد الفنان لتجميع شخوص عديدة  مما ميزها كحدث مركزي في اللوحة وهي ساحة المعركة بمشاهد متعددة ومكررة لبعض الشخصيات والرؤوس المقطعات ، عمد فيها الفنان الى تكرار شخص الحسين واخيه ابي الفضل عليهما السلام كل شاهر سيفه ممتطيا صهوة جواده وهما يحملان على الاعداء من جيش يزيد في قتال محتدم والارض حمراء من تحتهم كأن احداث المعركة تدور فوق سقوف قصور بني امية والدماء تسيل من وعلى الاروقة والاعمدة الحاملة لتلك السقوف مكونة في اسفل اللوحة بحرمن الدماء الزاكيات الطاهرات تتلاطم امواجه على مشارف قصور بني امية وتنادي يالثارات الحسين ..      

أعطى الفنان عمقاً للعمل الفني من خلال مهارته في استخدام الالوان والخطوط اللينة الرقيقة والناعمة بإتقان ودقة ، فمن خلال التبادل اللوني ووضعه لكتل اللون الأحمر وتكرارها بشكل دقيق واستخدامه للون الأخضرازداد أشعاع اللونين أحدهما مجاور الآخر في اللوحة  فضلا عن تداخل المشاهد المكونة للوحة من خلال موازنته بين الالوان الحارة والباردة مماخلق انسجاما وتداخلا بين الاشكال تجذب الناظر الى فكرة الموضوع وتتبع مجرياته التي يتحد بها الجو العام للعمل الفني بواقعيته ومن الجدير بالذكر ان الفنان اتبع اسلوبا مختلفا عن باقي فناني عصره من مبدعي هذا الفن فقد امتنع عن تصوير الوجوه المقدسه وصورها بهاله نورانية بيضاء سعيا منه لااكساب الشخوص والعمل الفني قدسية ووقار، مبتعدا بذلك عن اسلوب المنمنمات او غيرها من الفنون الشرقية التي صورالبعض من فنانيها الوجوه المقدسة باشكال تقريبية .

 سامر قحطان

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.